هدى.. جدتي وابنة مصر..

ولدت لتكون حفيدة العمدة في احدى نواحي محافظة الشرقية في مصر المحروسة.. ولتكون ابنة ولده الوحيد و “دون جوان” الحتة، عبدالوهاب النجدي.. تقول والدتي انه من الشخصيات التي تعتبر لقاءها بهم نعمة، كان واسع الثقافة، وكانت له شخصية رائعة وكاريزما آسرة، أسرت قلوب جميع نساء الحتة!

تستمتع جدتي كثيراً وهي تحكي لنا دائماً عن أصلها المصري العريق، وعن العزب التي امتلكوها، والعربية الي بيجرها الخيل، والتي تكرر أنها آنذاك كانت تعتبر كأفخم “عربية” موجودة الآن .. تحكي جدتي أن والدها سِيدي عبدالوهاب (بكسر السين) كان من الذين لا يعرفون “قيمة القرش”.. ولايعرف الا كيف “يبعزق فلوسه هنا وهناك، عالي يسوى والي ما يسواش!”.  وكان سكّان المنطقة يقولون “عادي خلوه يبعزق دا فلوسه ما بتخلصش”.. وعلى عكس توقعاتهم، الفلوس خِلصت..
شاءت الاقدار أن يذهب جدي رحمه الله في زيارة للشرقية، ويسكن لدى عمة جدتي. وفي تلك الزيارة خطبها وتزوجها من دون سابق تخطيط.. ولا زال الحديث يدور حتى توفي جدي رحمه الله عن أسئلة سِيدي عبدالوهاب له، وعن “طربيزة الاكل”.. كان جدي دائماً يقول لها مداعباً “في احد يسأل عندكم طربيزة”، وكانت هي تقول أمال ايه.. وتدافع بأنه كان لازم يعرف هي رايحة على إيه!
تركت هدى مصر، حبيبة قلبها، إلى الرياض، وبعد ولادتي بأعوام قليلة، انتقلت هي وجدي إلى جدة، ثم عادت بعد وفاته مرة أخر الى الرياض.. حيث ترقد الان بين الأسرة البيضاء لا حول لها ولا قوة..
هناك، بعد ان فقدت زوجها وابنها الاكبر.. تصارع الآن جملة من الأمراض، إحتار الاطباء فيها وسلموها ليد الرحمن..
هدى.. التي جرى دمها في عروقنا، فكان لنا وطن اخر في ارض الكنانة.. جعلتنا نحبه لان في عروقنا بعض من مياه النيل..
هي صلتنا بكل شيء هناك، صلتنا بالارض  والسماء، بالتحرير، بالنيل، بالهرم، باغاني الست، بالكباري، بالسيدة زينب، بخان الخليلي، بالمقاهي والمطاعم والشوارع والعربيات والقوارب وكل كل شيئ..
ارفض ان تستسلم، ارفض ان تنقطع هذه الصلة بيننا وبين النيل.. هي مصدر هذه الدماء التي افاخر بها دائما، “أنا جدتي مصرية، من الشرقية، والكل يقول ان العرق المصري باين فيّه ، حتى أنها هي نفسها تقول أنني مصرية اكتر منها، وأن هذه السحنة المصرية هي سبب مداعبة أخي الصغير لي بقوله: نوّرت مَصر”..
هي مصدر الحب لأرض علمتنا كل شيء، من العشق.. للسياسة،، وعلمتنا أن هناك حب وانتماء للوطن، للأرض، مجردة من أي سلطة تحكمها!..
جدتي التي أداعبها بأن دعاءها هو الأمل الوحيد في العريس الذي تريده لي.. والتي أبكي كلما احتضنتها قبل عودتي الى امريكا وقبلتني على طريقتها الخاصة.. لا يعرف سر هذه القبلة الا أحفاد وحفيدات هدى النجدي..
هي الان بين يدي رحمن كريم، لا حول لنا ولا قوة الا به، ادعو الله ان يرأف بحالها ويرحم ضعفها وقلة حيلتها.. لا يد لي الا بالدعاء لها.. اللهم احفظها بعينك التي لا تنام، واكفها بركنك الذي لا يرام واحفظها بعزك الذي لا يضام..
هنا وانا في امريكا التي تكرهها، وتصر أن أستعجل بالعودة منها، لا أمل لي إلا بالله
يا حبيبة، اودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه، اودعتك الله..

2 من التعليقات لـ “هدى.. جدتي وابنة مصر..”

  1. نوفه says:

    نستودعها الله هو خير حافظ وهو أرحم الراحمين
    ستكون بخير باذن الله لا تقلقي يا حبيبه ()

  2. سلمى says:

    يا اختي الله ارحم بالجميع
    مصر مصر تبقى ام الدنيا فكرتيني بروايه قريتها اسمها مصرى في دبي في سطور قريتها من مقالك فيها كتير من الروايه وتفاصيلها لايضيع شىء عند الله

إكتب تعليقك